هيئة التدريس بالتعليم الثانوي في مجال الإعلام والمساعدة على التوجيه: المنطلقات والرهانات التربوية

عرف مجال الإعلام والمساعدة على التوجيه في العقود الأخيرة مجموعة من التحولات العميقة والمتواترة طالت المرجعيات والنظريات ومقاربات الاشتغال بالإضافة للبنيات والهياكل. وطبيعي جدا أن تحدث هذه التحولات تمثلات وحاجيات وانتظارات جديدة لكل الفاعلين التربويين وشركاء المؤسسة التعليمية في مجال الإعلام والمساعدة على التوجيه، مما يستدعي ضرورة إعادة تأهيل الفاعلين التربويين وتطوير كفاياتهم المهنية في علاقتها مع التغيرات المتسارعة التي مست مجال الإعلام والمساعدة على التوجيه.


وفي هذا الإطار، انخرطت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، في تنفيذ ورش كبير يعتبر من أهم أوراش البرنامج الاستعجالي، والذي يستهدف تكوين هيئة التدريس بالتعليم الثانوي في مجال الإعلام والمساعدة على التوجيه، حيث سيمتد هذا التكوين لفترة ثلاث سنوات ليطال جميع مدرسي الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي.
- فما هي إذن سياقات ودواعي تكوين من هذا القبيل؟
- وما هي الترتيبات العملية والمنهجية لإنجاح هذا الورش الكبير؟
- وأية قيمة مضافة لتكوين هيئة التدريس في خلق تلك التعبئة الضرورية حول قضايا الإعلام والتوجيه؟
- وماهي الآفاق المستقبلية لاستثمار هذا النمط من التكوين؟
يأتي تكوين هيئة التدريس في سياق تربوي عالمي يؤكد على أهمية إعداد التلميذ لمجابهة مطالب الحياة في ظل العولمة الزاحفة، وذلك عن طريق الحرص على إمداد هذا التلميذ بالكفايات والأدوات والمنهجيات الكفيلة بمساعدته على تطوير قابلياته للمعرفة والعمل وتحقيق الذات والعيش المشترك مع الآخر. وفي هذا الصدد، عرفت المرجعيات النظرية المؤطرة لحقل التوجيه التربوي مراجعات عديدة لأسسها ومنطلقاتها ومقارباتها المختلفة، حيث تحولت من منظورات ستاتيكية جامدة تتعاطى مع الفرد والمهنة عبر الحسم البسيكومتري في الاختيارات والميولات، إلى سيروارت نمائية تطورية تضع إشكالية التوجيه في إطار تتلاقى وتتفاعل ضمنه دينامية الفرد ودينامية المجتمع، لتخرج بذلك التوجيه من عزلته البيداغوجية والتربوية وتضعه في سياقه السوسيوتربوي، وتطرح أمام الممارسات التربوية في مجال التوجيه التدخل عبر ثلاثة مستويات:
المستوى الأول
: يتعلق بالانطلاق من المؤسسة التعليمية والتدخل بقرب التلميذ باعتباره فردا منخرطا في مشروع مستقبلي يستدعي خدمات متمحورة حول تطوير وإنماء قدراته ومعرفته وكفاياته السيكو-اجتماعية؛
المستوى الثاني: يقتضي التدخل عبر المحيط الاجتماعي العام كمجال يحتضن المشروع الشخصي للتلميذ حاضرا ومستقبلا، في أفق مساعدته على استكشاف ورصد مكونات واستثمار إمكانات وموارد هذا المحيط، من أجل توفير ما يلزم من شروط المصاحبة والمواكبة والتتبع لتنفيذ مقتضيات المشروع الشخصي للتلميذ.
المستوى الثالث: يستهدف تيسير التفاعل بين التلميذ والمحيط الاجتماعي العام عبر التأسيس لسيرورة دينامية تفاعلية مستمرة بين التلميذ والمحيط تراهن على تحقيق التناغم إلى أقصى حد ممكن بين تلك الذات وذلك المحيط، من خلال بناء علاقة مغايرة مع الذات واعتماد منهجية جديدة لفهم واستيعاب الفرص التي يوفرها محيط التلميذ.
بدوره السياق الوطني، المطبوع باستكمال وتسريع أوراش الإصلاح التربوي عبر تنفيذ مقتضيات البرنامج الاستعجالي، لم يتخلف عن هذه الدينامية التربوية العالمية، حيث جعل التلميذ في قلب العمليات التربوية، وسخر كل الدعامات لخدمته قصد جعله قادرا على التفاعل الإيجابي مع محيطه، ومسؤولا عن قراراته، وفاعلا في بناء مجتمعه. وفي هذا الإطار، تم تبني العمل بمقاربة المشروع لتدبير الإصلاح التربوي، حيث أفرد البرنامج الاستعجالي مشروعا خاصا بمجال الإعلام والمساعدة على التوجيه يروم إعادة هيكلة المجال عبر إرساء نظام وطني ناجع للإعلام والمساعدة على التوجيه، ولعل ما يميز هذا المشروع هو امتداده الأفقي والعمودي في منظومة التربية والتكوين، والناظم لكل مجالات التدخل على مستوى قطاع التربية والتعليم، من حيث المقررات الدراسية، والحياة المدرسية، وعروض التربية والتكوين، وأنظمة التقويم والجودة والحكامة، وهيكلة وتجسير وهندسة المنظومة التربوية...، كل هذا يقتضي تعبئة متواصلة لكل القطاعات الشريكة الـمتمثلة أساسا في التعليم العالي والتكوين المهني ومؤسسات المجتمع المدني، والشركاء الداخليين والخارجيين لمنظومة التربية التكوين، قصد الانكباب على معالجة محدودية الخدمات المقدمة للتلاميذ، والبحث عن المداخل التربوية لدمج ثقافة التوجيه التربوي في آليات عمل المنظومة وميكانيزمات اشتغال المؤسسة التعليمية وفق مقاربة تشاركية مندمجة وشمولية.
لأجل كل هذا، تم الانخراط في إعداد مصوغة وطنية في مجال الإعلام والمساعدة على التوجيه، استهدفت هيئة التدريس العاملة بالتعليم الثانوي، والتي تروم تحقيق مجموعة من الأهداف، نذكر من بينها:
- تمكين هيئة التدريس من تكوين فكرة واضحة وشاملة حول منظومة الإعلام و المساعدة على التوجيه ومختلف بنياتها وآليات اشتغالها؛
- الاستئناس بالمبادئ النظرية والمقاربات الحديثة المتداولة في حقل الإعلام والمساعدة على التوجيه، قصد تجويد تدخلات ومساهمات هيئة التدريس في المساعدة على التوجيه؛
- التعرف على مختلف الأدوار الممكنة لهيئة التدريس الكفيلة بمساعدة التلميذ على اتخاذ قراراته باستقلالية ومسؤولية؛
- استثمار المادة المدرسة وأنشطة الحياة المدرسية قصد مساعدة التلميذ على بلورة مشروعه الشخصي؛
- التنسيق والتعاون مع الأطراف الأخرى الفاعلة في مجال مساعدة التلميذ على التوجيه وبلورة مشروعه الشخصي.
وفي أفق تجسيد هذه الأهداف، انخرطت مجموعة من الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في بناء وإعداد خطة عمل، وذلك عبر تكوين المكونين وتكييف مضامين العدة البيداغوجية الوطنية مع الغلاف الزمني المخصص للتكوينات، وتحديد الإجراءات المنهجية والترتيبات الميدانية لتمر مختلف الدورات التكوينية في أجواء تربوية مشجعة ومرسخة لبيداغوجيا الراشدين. وفي انتظار تقييم سيرورة وأثر هذا التكوين على أدوار وتدخلات هيئة التدريس وفق مقتضيات العدة البيداغوجية المقترحة للتقويم ضمن مضامين المصوغة الوطنية، نعتقد أن تكوينا من هذا القبيل سيطرح فرصا جديدة للتعاون والتشارك في تجسيد حق التلميذ في خدمات الإعلام والمساعدة على التوجيه، وسيفتح آفاقا واسعة لتطوير وتجويد أدوار هيئة التدريس في علاقتها باحتضان ومصاحبة التلاميذ ومساعدتهم على فهم الروابط بين المواد الدراسية والآفاق المهنية وسوق الشغل، وما بين أنشطة الحياة المدرسية ومتطلبات الحياة العملية. والفرصة بالتالي سانحة سواء من خلال هذا التكوين أو على هامشه لتحقيق مجموعة من النتائج والانتظارات السيكوتربوية والبيداغوجية، نشير للبعض منها:
- إعداد وتهيئ هيئة التدريس لتصبح أكثر تفهما وإدراكا لحاجيات وانتظارات التلاميذ، وذلك عبر الانصراف أكثر لتعليم يركز على كيفية بناء المعرفة في سياقات متنوعة وعبر وسائل مختلفة، وفتح فرص أمام التلاميذ لجعلهم في وضعية المبادرة والمشاركة قصد تمكينهم من اكتشاف ذواتهم ومحيطهم الاجتماعي العام تيسيرا لنمائهم المهني والشخصي، ليصبح التعليم المقدم لهم تعليما وظيفيا نافعا يسمح بربط العلاقة بين المواد الدراسية فيما بيها، وبين هذه المواد والآفاق الدراسية والمهنية والحياتية، مما يضفي المعنى والدلالة على التعلمات ويخلق تلك الدينامية المحفزة والداعمة للتحصيل والنجاح المدرسي والتطلع للمستقبل والتفكير فيه؛
- إعادة الاعتبار لموقع منظومة الإعلام والمساعدة على التوجيه ضمن مساحة الفعل التربوي، وذلك بوضعها في سياقها السوسيوتربوي الطبيعي لتساهم انطلاقا من أدوراها ووظائفها وآليات اشتغالها في عقلنة وتوجيه العملية التربوية نحو الفعالية والنجاعة المؤمولة وهندسة التدفقات التلاميذية في المسارات والشعب والمسالك بهدف خلق التفاعل الإيجابي بين النظام التربوي والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، في أفق تحقيق المواءمة بين مطالب الأفراد وحاجيات التنمية ومخططات المجتمع؛
- دعم وترصيد بيداغوجية الإدماج من خلال استثمار نتائجها وعوائدها في الاختيارات المدرسية والمهنية والحياتية عن طريق توظيف حصيلة الكفايات في ترشيد وعقلنة هذه الاختيارات وكل القرارات التربوية سواء الفردية منها أو الجماعية؛
- تهيئ المناخ النفسي والبيداغوجي الإيجابي لاحتضان وصهر ثقافة التوجيه في المواد الدراسية وفق الهندسة الجديدة لمضامين هذه المواد من خلال المراجعة المرتقبة للمنهاج الوطني؛
- خلق فرصة للتفاعل والتواصل بين هيئة التوجيه وهيئة التدريس، في أفق ترسيخ ثقافة التشارك والتعاون لتحقيق التوجهات الإستراتيجية المستقبلية لمنظومة التوجيه، وتجسيد حق التلميذ في بناء مشروعه الشخصي، وتوظيف مختلف المقاربات والاستراتيجيات والمداخل المؤسسية واللامؤسسية الممكنة.
في الختام، نأمل أن يكون هذا التكوين مناسبة لفتح نقاش تربوي حول ملف الإعلام والمساعدة على التوجيه، لكونه من الملفات التي بدأت تطرح بإلحاح شديد في هذه السنوات الأخيرة من طرف الفعاليات التربوية والآباء والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، حيث سيشكل هذا النقاش بكل تأكيد لحظة سيكولوجية ستساعد على خلق تلك التعبئة المؤمولة حول هذا الملف وإنجاح توطين ثقافة التوجيه ضمن المنهاج الوطني المرتقب صياغته وبناؤه، والمساهمة في تجسيد كل المبادرات التجديدة المراهنة على مأسسة آليات وأدوات المساعدة على التوجيه في نظامنا التربوي والمتعلقة أساسا بإرساء العمل بمقتضيات المشروع الشخصي للمتعلم والمقاربة الموجهة وحصيلة الكفايات وحقيبة المتعلم (…(Portfolio، مما سيرسخ التغيير الهادف والهادئ في مجال التوجيه التربوي، ويمكن التلميذ من مهارات الاكتشاف والتمرن والتهيئ لاتخاذ القرار، استعدادا للاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية، ويجعله في مركز اهتمام العملية التربوية التكوينية عبر استحضار كل الإمكانات المادية والمعنوية لصالح تفتح ملكاته، ونهج سلوك منسجم مع هذا الوعي باتخاذ مواقف قوامها التعاون والتفهم والإنصات والمساعدة.

الرباط في: 18 دجنبر 2010

 

عبد العزيز سنهجــي: مفتش منسق مركزي لمجال التوجيه التربوي، المغرب.

Partager

قبل كتابة أي تعليق تذكروا قول الله تعالى
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏
المرجو التبليغ عن اي تعليق غير لائق أو مخل بالآداب و ذلك بالضغط على "التبليغ عن هذا التعليق" على يسار التعليق

أضف تعليقا

Security code
تحديث

قبل كتابة أي تعليق تذكروا قول الله تعالى
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏

الدراسة بالخارج

Cinq conseils pour réussir l'entretien d'embauche

1. Pas de panique !

L'entretien n'est pas un abattoir.
Pour "apprivoiser" ce moment, prenez quelques minutes pour vous mettre à la place de ceux qui vont vous écouter. Imaginez-vous passer la journée à écouter les candidats, et à essayer de découvrir parmi tous ceux qui sont a priori intéressants (ils sont arrivés jusque là) celui qui fera la différence. Si vous faites cet exercice, vous verrez que nos conseils sont à la fois simples et évidents.

Partager

التفاصيل...